Download Mobile App

Al Sharq App

مساحة إعلانية

الشرق

Opinions

792

Dr. Maryam bint Rashid Al-Khater

المقعد الأخير

28 Dec 2024 , 02:09AM
17 T T

ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول أو الأخير في الصف أو في صفوف الدراسة؟

 عبارات ربما لم تخطر بذهني حتّى اقعدني النادل في المقعد الأخير في طاولة صغيرة في مطعم مشهور في لندن!! وما أدراك ما لندن؟

 كنت وقتها بمفردي وكان النادل ملحّا على أنه يحتاج الطاولة بعد ساعة!!

وأنت رهين الجوع وبمفردك بالتأكيد أن تبحث عن مطعم وبلغة الأمريكان كافيه! وبلغة الجوع: «عن وجبة لذيذة» ؟ وأمام سلطان الجوع حتما ستقول: السمع والطاعة !! ضحكت في نفسي وانا اصلا كنت على عجل، فالتفت إليه وقلت بلغتهم: أنت وشطارتك في سرعة إحضار الوجبة؟

ما ان جلست وأنا المغلوبة على أمري في مقعد لم اختره... حتّى عرفت ما يرمي إليه النادل ؟؟

 وما أدراك ما المقعد الأخير في المقهى؟ أو حتّى في القطار ؟

فقد ملكت الرؤية الشاملة بدون سابق حجز ودون تدخل منّي أو اختيار!! فإذا بي ولأول مرّة أطالع أمامي بانوراميك من العوالم المتعددة، بل قل مجتمعات بأكملها في هذا الموقع من هذا المقهى المشهور في مدينة طالما أطلقوا عليها أنها مطبخ السياسة العالمية وتعرف أنها عاصمة متنوعة الأعراق «كوزمابوليتان سيتي!!

فإذا بي عن كثب أراقب كلّ شيء دون قصد ليس الداخل والخارج فحسب بل من يأكل، من يتحدث وبمختلف اللغات وبكل أنواع الضجيج، من يذهب إلى غرفة الجاكيت (كلوك روم) !! من يأتي على الباب وليس لديه حجز مسبق ويقف بجوعه مترجياً ان يجدوا له طاولة دون جدوى فتبوء رجاءته بالفشل فيخرج جارا أذيال الجوع!!

 هذا وهناك عالم آخر من الجالسين جماعات دون جوع يذكر.. ودون رغبة في الطعام بل لأن أعمالهم فرضت عليهم اجتماعات غداء، يكادون أن يكونوا هم مصدر الحديث العابر أو تلك الضجة والضوضاء التي أسمعها حولى أحدهم وهو يتحدث عن الانتخابات أو عن مشروع مهم في التجارة أو عن مصايف أو سيارات أو حقائب يد أو مجوهرات أو عمليات تجميل أو درجة علمية أو بحث علمي!!

والأعجب أولئك الذين يتحدثون عن العمل الرقميّة هذا حين يتحدث غيرهم عن هموم أقساط المنزل أو النوم أو الأرق، لم اتبين كثيرا من الأحاديث بوضوح حتّى لو أرهفت السمع! ولكنني تعلمت.. تعلمت الكثير منهم بلا شك.

 كما لاحظت حضورا من نوع آخر يصمت فيه الكلام وتتحدث فيه لغة العيون وربما معها طلاسم الهواتف وعالما آخر حولها من الهمسات والهمزات واللمزات التي يظن البعض أنها لا تكتشف!! حديث يتفوق على هذه الضجة في هذا المطعم المشهور بالضجّة التي لا تشهدها عاصمة كما تشهدها لندن في كل موسم سواء كانت رحلة شتاء او صيف! ربيع أو خريف! عيد أو رحلة عمل أو علاج.

كلّ هذه الدنيا بنماذجها المتعددة ولغاتها المختلفة حتّى الصامتة الناطقة منها رأيتها فقط من المقعد الأخير!! وأحسست أنه سوسيولجيا اجتماعية يمكنها أن تنطلق بباحث أو مؤلف إلى روايات أو كتب!!

المقعد الأخير!!

 أعطاني الفرصة لأعيد حساباتي في التأمل في الحياة!! الحياة كلّها!!

فرجعت في ذاكرتي إلى الطفولة، إلى مقاعد الدراسة فتساءلت في نفسي: لماذا كنت أركض للمدرسة وأرفض أن أغيب في اليوم الأول في العودة للمدارس لكي افوز بحجز المقعد الأول في الصفّ؟

 لماذا تنامى إلى ذهني أهمية المقعد الأول في كل شيء بعد أن تعلمت ذلك من الصف خصوصا وإنه يعطيني وضوح رؤية للسبورة المدرسية كاملة، والتركيز لكي أكون مع مدرستي وعلمي حتى لا انشغل بهذه وتلك فلا حركة أمامي سوى حركة المدرسة ولا لغة إلا لغة الطباشير ولا ضجة إلا لصرير القلم.

ربّما روضّتني المدرسة على اختيار المقعد الأول حتّى ظننت أنه سبب للتفوّق خصوصا وإن مدرساتنا كانوا دائما ما يكررون الصورة النمطية عن المقعد الأخير ومن يجلسن فيه أنّه «للكسالى» و»للفهلوة»..حتى اكتشفت أهمية المقعد الأخير،

 وما أدراك ما المقعد الأخير؟

فيه فقط اكتشفت أنني امتلكت جيوبوليتكس الزمان أو قل سوسيولوجية الناس والمكان! واكتشفت تفوّق المقعد المظلوم ومن يسمونهم كسالى (وما يفهمون شي) في مدرسة الحياة، العالم الحقيقي الذي تفوق معرفته وسبر أغواره تلك السبورة المحدودة والطباشير حتّى لو كانت ملوّنة، والصفّ الراكد الذي قسّمته الطبقية التعليمية إلى تصنيفات نمطية بحتة حتّى حصد أصحاب المقاعد الأولى الشهادات فعاشوا في العلم، بينما فاز أصحاب المقعد الأخير بالحياة.

مساحة إعلانية

الشرق

Related Opinions More

Qatar Deserves the Nobel Peace Prize

The Nobel Peace Prize was established in 1901 and is awarded to...

29 Dec 2025 , 01:26AM
Differences in offers and similarities in the offered items

I don't believe we need to open new shopping malls and (malls)...

29 Dec 2025 , 01:25AM
Exposing the falsehood!

Not all souls are definable, and not all characters can be categorized...

29 Dec 2025 , 01:24AM