عبدالرحمن هاشم السيد
كانت الزراعة سابقًا في دولة قطر لا تلقى الرواج والزخم الذي تحصده اليوم، ومع توالي الليل والنهار زاد الاهتمام بالأعمال الزراعية بجانبيها النباتي والحيواني، وصار هذا القطاع يحظى بالمتابعة الحثيثة والدعم اللامحدود من قبل الدولة والقيادة الرشيدة، خاصة أن هذه الأعمال تمثل ركيزة أساسية من ركائز التنمية. ونتيجة لهذا الدعم، تطور القطاع الزراعي في دولة قطر إلى مراحل لم تكن في الحسبان؛ حيث زادت نسبة الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية المحلية، وفي هذا الصدد احتلت دولة قطر المركز الأول عربيًا والرابع والعشرين عالميًا في مؤشر الأمن الغذائي لعام 2021.
وقد اتفقت جلّ التشريعات، والفقه بأجمعه، على اعتبار الزراعة وما يتعلق بها من عمليات مساعدة من قبيل الأعمال المدنية، ولا تدخل ميدان تطبيق القانون التجاري، وهذا ما أكدت عليه المادة (12) من القانون التجاري القطري؛ حيث نصت على أنه "لا تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية:... 4- بيع المُزارع الحاصلات الناتجة عن الأرض المملوكة له، أو التي يزرعها، ولو بعد تحويلها بالوسائل المتاحة في استغلاله الزراعي. أما إذا أسس المزارع متجرًا أو مصنعًا بصفة دائمة لبيع حاصلاته بحالتها أو بعد تحويلها، فإن البيع في هذه الحالة يعد عملًا تجاريًا".
يتضح من ذلك أن بيع المزارع لمحاصيله لا يعد من الأعمال التجارية، وهي مسألة تقليدية؛ ويعود السبب في استبعاد الزراعة وما يتعلق بها من عمليات من نطاق القانون التجاري، إلى أن الاستغلال الزراعي أسبق في الظهور من الناحية التاريخية على الاستغلال التجاري؛ ولذلك جاء القانون المدني – وهو الأسبق في النشأة – ليحكم العلاقات الناشئة منه، فلا يمكن أن يسلب قانون التجارة هذا العمل من نطاق القانون المدني الذي يعد قانون الأعمال الزراعية. ومن المعلوم أيضًا أن القانون التجاري جاء ليقنن أعرافا وتقاليد خاصة بفئة من المجتمع ألا وهم التجار، والآخرون يختلفون تمامًا في طريقة عيشهم عن تلك التي يعيش عليها المزارعون.
وبالرغم مما ذكر من أهمية العمليات الزراعية، إلا أنه ما زالت لم تحظ بالاهتمام اللازم، وبشكل أخص الاستغلال الزراعي الصغير القائم على الاجتهاد الشخصي للمزارع وعائلته؛ بيد أن هذه الصورة القديمة للاستغلال الزراعي، قد بدأت تتلاشى نتيجة ظهور المشروعات الزراعية الضخمة التي تحتم عليها اللجوء إلى الاقتراض من البنوك بغاية توفير الائتمان، والمضاربة على جهد الغير، وفتح المحال والفروع. ونتيجة لذلك، بدأت القوانين الحديثة تتدارك هذا التطور الكبير، الذي يكون مؤداه إخراج الأعمال الزراعية من ميدانه – القانون المدني – إلى ميدان التجارة.
وهذا ما فعله المشرع القطري حقيقة؛ حيث نص في المادة (5/15) من القانون التجاري القطري على أنه "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف:... 15- الصناعة وإن كانت مقترنة باستثمار زراعي، والتعهد بالإنشاء والصنع". وهو أمر منطقي، فبعد أن تأخذ الأعمال الزراعية صورة المشاريع الضخمة التي تهدف إلى تحقيق الربح وتداول الثروات الطبيعية، يتحتم أن يعد العمل تجاريًا؛ لتوافر المعيارين الأساسيين (المضاربة والتداول)، بالإضافة إلى أن العمل يمارس بطريق الاحتراف عن طريق مشروعات.
وأخيرًا، لا يعد عمل المزارع تجاريًا في حال قيامه بتربية بعض الإبل والأبقار والخرفان وتركها تهيم وترعى في أرضه، ومن ثم باعها أو باع ألبانها أو قام بتحويل ألبانها [أي إلى منتجات أخرى]. وفي جميع الأحوال، ينقلب العمل من عمل مدني إلى عمل تجاري إن أخذ العمل صورة مشروع أو تمت ممارسته بطريق الاحتراف، كأن يؤسس المزارع مصنعًا أو متجرًا بشكل دائم.
وتثور الإشكالية عند قيام المزارع بشراء محصول الغير وبيعه مع محاصيله، فهل يعد العمل تجاريًا – نتيجة تحقق الأسس العامة لبيان طبيعة العمل؛ أي المضاربة والتداول – في هذا الفرض أم يعد مدنيًا بما أنه عمل ثانوي ومكمل للعمل الأصلي؟
وهنا يجب أن نفرق بين فرضين؛ حتى يتسنى لنا معرفة طبيعة العمل: الفرض الأول: إذا كانت المحاصيل المشتراة من الغير أكثر من المحاصيل المحصودة، ففي هذا الفرض يعد الشراء عملًا تجاريًا؛ لتوافر عنصر المضاربة، إذ يوجد هنا شراء بقصد البيع، ويعد المزارع المشتري وسيطًا في هذا الفرض بين المنتج – المزارع البائع – والمستهلك، وهو بذلك يحقق الكسب من فروق الأسعار بغية تحقيق الربح، وعندما نمعن في المسألة نجد أن العمل الثانوي هو العمل الزراعي، بينما العمل الأصلي هو شراء محصول الغير. الفرض الثاني: إذا كانت المحاصيل المشتراة أقل من المحاصيل المحصودة، وهنا يعد الشراء من قبيل الأعمال المدنية؛ فهو يمثل عملًا ثانويًا بالنسبة إلى العمل الأصلي، وبذلك يعد عملًا مدنيًا بالتبعية.
تأسست جائزة نوبل للسلام عام 1901 وهي تقدم لأفراد خدموا الإنسانية فكرا...
29 يوليو 2025 , 01:26صلا أعتقد أننا بتنا بحاجة لافتتاح مجمعات تجارية جديدة و(مولات) تتغير فيها...
29 يوليو 2025 , 01:25صليست كل الأرواح قابلة للتأطير، ولا كل الشخصيات تُدرج تحت عناوين جاهزة....
29 يوليو 2025 , 01:24ص