حمّل التطبيق الآن

Al Sharq App

مقالات

105

شيخة حمد

على هامش المدينة

18 يوليو 2025 , 08:00ص
17 T T

من أسوأ الظروف قد تخرج أجمل القصص

– تشارلز ديكنز

لم يختر مكان ولادته. وحدها الأقدار كانت تمسك بالخيوط، فأسكنته على أطراف المدينة، هناك حيث لا يصل الضوء بسهولة، ولا تمر السيارات الفاخرة، ولا تُفتح الأبواب تلقائياً بالابتسامات.

في المنطقة التي نشأ فيها، كانت البيوت متقاربة، لكن الفرص بعيدة. كلما كبر عامًا، شعر أن المسافة بينه وبين «وسط المدينة» ليست مجرد شوارع، بل مسافة من نوع آخر… مسافة ثقيلة.

مسافة تشبه الجدران التي ترتفع كلما حاول أن يقول: «أنا من هناك.»

تعلم باكرًا كيف يخفي عنوان بيته.كان يخبئ اسمه خلف أسماء أخرى، يتظاهر بأنه جاء من حي لا يخجل الناس من ذكره. ليس لأنه يكره مكانه، بل لأنه كان يخاف من سخرية الآخرين، من تلك النظرة التي تقول:»آه… إذن أنت من هناك… الآن فهمنا.»

كبر وهو يشعر أن المكان الذي وُلد فيه أصبح قيدًا حول رقبته.كلما تأخر عن فرصة، أو انغلقت أمامه نافذة، همس له صوت داخلي:»لأنك من هناك… لأنك بدأت بعيدًا عن الضوء.»

لكن الحقيقة الأعمق، أن أكثر الندوب التي نحملها ليست من فعل المكان ذاته، بل من نظرة الآخرين إلينا بسببه. كأن طفولته لم تكن ناقصة فقط من الألعاب أو المكتبات أو الحدائق، بل كانت ناقصة من الاحترام الذي يمنحه الناس لمن يسكنون في مناطق «أقرب إلى المدينة».

وهذا ترك أثرًا طويلًا في قلبه، أثرًا لا يراه أحد.

مارسيل بروست قال ذات مرة:

«الاكتشاف الحقيقي ليس في الذهاب إلى أماكن جديدة، بل في أن ترى بعين جديدة.»

أما الكاتب هاروكي موراكامي، فقد عاش جزءًا كبيرًا من حياته متنقلاً بين المدن والبلدان، بعيدًا عن مسقط رأسه.كتب عن ذلك قائلاً:

«في الترحال الدائم، وفي الانتقال من هامش إلى هامش، اكتشفتُ نفسي. تلك المسافات لم تخلقني من جديد، لكنها كشفت لي من أكون.»

ربما كان يحتاج إلى سنوات طويلة ليفهم ذلك. ليدرك أن المكان لا يصنع الإنسان وحده، وأن المدن ليست دوائر قدرية مغلقة.هناك من يولد في الضوء وينطفئ، وهناك من يولد في الظل ويتوهج رغم كل شيء. في نهاية الأمر، لا أحد يختار البداية، لكننا جميعًا نملك حق كتابة النهاية.

ومهما كانت خطواته أثقل، يعرف الآن أن الطريق لا يقيسه الآخرون… بل يقيسه هو، بقلبه، بإصراره، وبإيمانه أن الحكايات العظيمة غالبًا تبدأ من الهامش.

مساحة إعلانية

الشرق

مقالات ذات صلة المزيد

قطر تستحق جائزة نوبل للسلام

تأسست جائزة نوبل للسلام عام 1901 وهي تقدم لأفراد خدموا الإنسانية فكرا...

29 يوليو 2025 , 01:26ص
اختلاف العروض وتشابه المعروض

لا أعتقد أننا بتنا بحاجة لافتتاح مجمعات تجارية جديدة و(مولات) تتغير فيها...

29 يوليو 2025 , 01:25ص
إباء خارج الزيف!

ليست كل الأرواح قابلة للتأطير، ولا كل الشخصيات تُدرج تحت عناوين جاهزة....

29 يوليو 2025 , 01:24ص