حمّل التطبيق الآن

Al Sharq App

مقالات

1257

د. عبدالله العمادي

إلى وزير التربية والتعليم

21 نوفمبر 2024 , 02:00ص
17 T T

لماذا هذه الرسالة إلى وزير التربية والتعليم دون بقية من تم تكليفهم بالحقائب الوزارية مؤخراً؟ الجواب باختصار، التعليم هو الأساس لأي بناء. فكلما كان الأساس متيناً متماسكاً مبنياً وفق أصول وقواعد، كان البناء كذلك، مهما كبُر وعظُم. ومن هنا أكتب رسالتي إلى الفاضلة لولوة الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، لتأتي ضمن سلسلة مستمرة متنوعة من الرسائل التي كتبتها من ذي قبل إلى وزراء تعليم سابقين..

كلنا يدري صعوبة متابعة شؤون التعليم والإشراف عليها وعلى ما تركه سابقون في هذا المجال المهم، فما بالك لو طالبنا بإصلاح التعليم بما يتوافق مع تطورات المرحلة التي يمر بها العالم كله؟ لا شك أن عملية الإصلاح أصعب، ولن تكون المهمة الإصلاحية سهلة إلا ما جعله الله سهلا، والذي في الوقت نفسه، إن شاء جعل الحَزْنَ سهلاً أيضاً. والحزن ها هنا هو الأمر الصعب الذي إن استشكل علينا، تذكرنا من فورنا دعوة نبينا الكريم « اللهمَّ لا سَهلَ إلَا ما جَعلته سهلاً، وأنت تَجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً «.

فاللهم بادئ ذي بدء، اجعل مهمة الخاطر سهلة ميسرة.

لب الموضوع، وحتى نبتعد عن الإسهاب أو الاستطراد، أطرح بعض مقترحات ضمن أخرى كثيرة لا يتسع المقام لها، لكن كولي أمر من أولياء الأمور أولاً، ومهتم بأمر التعليم في البلاد ثانياً، أجد الوقت مناسباً لطرح تلك البعض على سعادتها، وتأجيل أخرى، وهي تدور حول ضرورة جعل تطوير وتحديث مناهج التعليم على رأس قائمة الأولويات لديها. تطويرٌ شاملٌ يتضمن كذلك أساليب التعليم، والبناء الصحيح لمفهوم التعلم الذاتي لدى الطلاب، مستفيدين من التطور التقني والمعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم.

الكتب المدرسية

معنى ذلك أن الكتب المدرسية لا بد أن تصفّى من الحشو أو المعارف التي طرأ عليها الكثير من التغير بحكم الزمن، والتي يتم التعامل حالياً معها كما كان سابقاً، عبر إبلاغ الطلاب بأنها مواد لن تدخل الاختبار ! هكذا بكل سهولة، دون النظر إلى أن هذا الأمر هدرٌ للأموال والأوقات والجهود، وتكريس في الوقت نفسه لمفهوم خطير لابد من تغييره بكل الطرق، هو التعلم لأجل الاختبار، والذي أعتبره من أسباب تذمر الطلاب من التعليم ومؤسساته بشكل عام، وخلو نفوسهم من الشغف بالتعلم، على رغم أننا في عصر المعلومات والبحث عنها بوسائل متقنات متنوعات جاذبات، وهذا ما يدفع إلى أهمية تطوير أساليب وتقنيات التعليم والتعلم.

ثورة المعلومات وتقنيات البحث عنها، جعلت الكثير من المعارف والعلوم في متناول اليد، وبالتالي صار الحصول عليها لا يتطلب سوى لحظات. وهذا يعني أنه لم يعد حفظ أرقام وحقائق ومعلومات تاريخية وجغرافية وغيرها من المعارف ذات أهمية كما كان قبل سنوات، بينما اليوم يستطيع أحدنا الحصول على مبتغاه في لحظات. وهذا هو ما قصدت بأهمية تطوير وسائل وتقنيات التعليم والتعلم، بحيث يتم التركيز على تعليم الطالب كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يستفيد منها، وكيف يتعامل معها وكيف يعالجها، بدلاً من حفظها عن ظهر قلب لأجل استظهارها وقت الاختبار !

تغيير دور المعلم

مهارة الحفظ مطلوب استثمارها لحفظ القرآن والأحاديث وما يتطلب حفظه من علوم الدين وبعض أساسيات اللغة العربية والحساب. لكن اليوم وبحكم التطورات التقنية والمعلوماتية، أرى أن نعلم الطالب كيف يحصل على مبتغاه من المعلومات عبر تقنيات البحث المتنوعة، وتدريبه على المهارات اللازمة للتمكن من بحث فاعل ومثمر، ثم نزوده بتقنيات معالجة المعلومات وكيفية تقديمها أو عرضها.

هذا يعني تحويل كثير من المواد الإنسانية وبعض العلمية كذلك إلى مواد تعلم ذاتي، أي بدون معلم يقف أمام الطلاب يشرح لهم أهداف الثورة الفرنسية وحملة نابليون مثلاً، أو يعدد أشكال تضاريس الأرض وأنواع البراكين والأنهار، أو طبقات الغلاف الجوي، وما إلى ذلك من معلومات ومعارف يستطيع طالب المرحلة الإعدادية اليوم أن يبحث عنها بأريحية تامة. يقرأها ويشاهدها بمتعة وشغف، ربما أفضل من الطريقة التي يقدمها أستاذه، دون أن يرضخ في الوقت نفسه لضغوط حفظ المعلومات لأجل الاختبارات.. وبالتالي يكون دور المعلم وفق هذه الرؤية، هو التوجيه بشكل أساسي، وتسهيل أو توفير ما يحتاجه الطالب من أدوات وتقنيات لتنفيذ المهام المطلوب منه في عملية التعلم، ثم يكمل المعلم دوره بعد ذلك في تقييم عمل الطالب وفق آليات محددة.

هذا يدفعنا للتساؤل عن طريقة اختبارات غالبية المواد بما فيها العلمية، ولم لا تكون بطريقة الكتاب المفتوح مثلاً، والتي يمكن اليوم أن نسميها باختبارات الفضاء المفتوح، بحيث تكون كل الوسائل متاحة وقت الاختبار للطالب، سواء كتب مدرسية أو أجهزة كمبيوتر مربوطة بالإنترنت، أو أي وسيلة أخرى تساعد الطالب على الوصول إلى المعلومة المطلوبة.

تعديل آليات الاختبارات

معنى ذلك أن فلسفة وآلية عمليات التقييم أو الاختبارات لابد أن تتغير، بحيث يكون التركيز في التقييم أو الاختبار على مهارات البحث عند الطالب، وكيفية الوصول للمعلومة الصحيحة المطلوبة بشكل دقيق، وتقييمه على مهارات معالجة المعلومات، وطريقة أو وسيلة تقديمها على شكل مقال أو بحث أو عرض تقديمي، بعد أن يكون قد تم تمكينه من أساسيات كتابة المقالات والبحوث والعروض التقديمية، ولو بصورة مبسطة تتطور مع التقدم في مراحل التعليم.

أحسبُ أن هذه الفلسفة في التعليم والتعلم والتقييم، ستوفر الكثير من الهدر الحاصل في الأوقات والجهود والأموال، بل وتزرع في النفوس حب التعلم لأجل التعلم، لا لأجل الاختبار، بل وربما ساعدت كذلك على اختفاء ظاهرة التسرب لدى كثير من الطلاب، خاصة إن علم الطالب أنه سيتقدم من مستوى إلى أعلى دون ضغوط الإخفاق في مادة أو أكثر والمؤدي إلى إعادة السنة الدراسية، ليس لفقر الإمكانات العقلية والمهارية عنده، بقدر ما هو كائن غالباً في آليات التعليم والتقييم المتبعة حالياً، المعتمدة بشكل كبير على مهارة الحفظ والاستظهار وقت الاختبار عند الطالب، الذي يدخل عالم التعليم والتعلم وهو يملك مهارات وقدرات كامنة، وإمكانات ربما هائلة، فيصطدم بآليات تعليم وتقييم لا تراعي كثيراً مهارات وقدرات عديدة لديه فيكون الإخفاق، ومن ثم التسرب بعد حين من الدهر لا يطول، بالإضافة إلى عوامل أخرى تشمل طرائق التعامل معه من قبل الهيئات الإدارية والتعليمية بالمدارس !!

خلاصة الحديث

نرغب ونطالب أن تكون المدرسة واحة جذب للطالب، لا عامل طرد. نريد أن يجد الطالب نفسه خلال ساعات التعليم والتعلم في بيئة مريحة تساعده على نمو مشاعر الشغف بالتعلم، لا أن يحسب دقائق وساعات اليوم للخروج من بيئة مغلقة لا تختلف عن المعتقلات، بدليل تصاميم المباني المدرسية غير المريحة، ذات الأسوار الكاتمة العالية، بالإضافة إلى ساعات التعليم الطويلة التي نرى أهمية إعادة النظر فيها، لتتناسب مع ظروف الطقس وتقاليدنا الدينية والاجتماعية، ولاعتبار آخر مهم هو أن العالم اليوم يبحث عن تعليم نوعي ذي جودة، لا تعليم كمي يغرق فيه المعلمون قبل الطلاب! وبسبب التعليم الكمي المتبع حالياً، طالت ساعات الدوام المدرسي، وطارت بسببه مشاعر الشغف وحب التعلم، في ظل أجواء جاذبة مريحة باعثة على التعلم خارج أسوار المدارس..

والحديث في التعليم، ذو شؤون وشجون لا تكفي مساحات الصحيفة هذه للحديث عنها، فما بالك بهذه المساحة المحدودة، لكن ربما في قابل الأيام، نكمل ما بقي من هذه الرسالة بإذن الله، سائلاً المولى عز وجل للفاضلة لولوة الخاطر، كل توفيق وسداد. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

مساحة إعلانية

الشرق

مقالات ذات صلة المزيد

قطر تستحق جائزة نوبل للسلام

تأسست جائزة نوبل للسلام عام 1901 وهي تقدم لأفراد خدموا الإنسانية فكرا...

29 يوليو 2025 , 01:26ص
اختلاف العروض وتشابه المعروض

لا أعتقد أننا بتنا بحاجة لافتتاح مجمعات تجارية جديدة و(مولات) تتغير فيها...

29 يوليو 2025 , 01:25ص
إباء خارج الزيف!

ليست كل الأرواح قابلة للتأطير، ولا كل الشخصيات تُدرج تحت عناوين جاهزة....

29 يوليو 2025 , 01:24ص